نموذج الهياكل والعمليات في علم النفس_ الثقافة، الأخلاق، المعنى 2

24 المشاهدات

✍ بقلم: أحمد حمدان
🔹 أخصائي علم النفس الإكلينيكي
🔹 باحث دكتوراه في علم النفس الاجتماعي السياسي الاقتصادي – جامعة ساراتوف الحكومية (SSU – Саратовский государственный университет)

مدخل إلى نموذج الهياكل والعمليات في علم النفس: الثقافة، الأخلاق، المعنى


مقدمة

في عصر تتشابك فيه الأزمات النفسية والاجتماعية والثقافية، تتزايد الحاجة إلى نماذج تفسيرية جديدة قادرة على قراءة الإنسان ككائن أخلاقي رمزي، لا مجرد موضوع بيولوجي أو عقلاني. وقد برزت هذه الحاجة بوضوح في المجتمعات العربية التي تتصف بثقل رمزي وديني وقيمي عميق، لا يمكن فصله عن حياة الفرد اليومية.

في هذا الإطار، قدمت جامعة ساراتوف الحكومية نموذجًا علميًا معاصرًا يُعرف باسم:
“نموذج الهياكل والعمليات في علم النفس: الثقافة، الأخلاق، المعنى”
(Structures and Processes in Psychology: Culture, Ethics, Meaning)
وهو إطار نظري جديد في العالم العربي، يدمج بين المكونات النفسية الداخلية والرمزية الثقافية للسلوك، ويعيد ترتيب فهمنا للعلاقة بين الفرد والبيئة والغاية (Prozorov, 2018).


  1. مكونات النموذج النظري

يرتكز هذا النموذج على ثلاث وحدات مترابطة:

وفق هذا النموذج، لا يمكن فهم السلوك دون النظر إلى العلاقة الجدلية بين البنية والعملية والمعنى. فالإنسان لا يتصرف فقط لأنه “يريد” أو “يعاني”، بل لأنه يسعى لتجسيد معنى ما، ضمن بنية أخلاقية أو ثقافية تحركها عمليات داخلية مستمرة (Glukhova & Prozorov, 2020).

يرتكز هذا النموذج على ثلاث وحدات مترابطة:

1.1 الهياكل (Structures):

تمثل البُنى المعرفية والرمزية التي تحدد طريقة فهم الإنسان للعالم، وتشمل القيم، القواعد، العقائد، والتقاليد المتوارثة. إنها أشبه بـ”نظام تشغيل داخلي” يُشكّل هوية الفرد ومفاتيح تفسيره للواقع.

1.2 العمليات (Processes):

وهي الديناميكيات النفسية التي تُفعّل هذه الهياكل، مثل اتخاذ القرار، التحليل، التأقلم، الضبط الذاتي، والإدراك الاجتماعي. بدون هذه العمليات، تبقى الهياكل جامدة وغير فعّالة.

1.3 المعنى (Meaning):

المعنى هو الغاية والاتجاه الذي يمنح الفعل قيمته وهدفه. إنه مركز الثقل الذي تُعاد من خلاله صياغة التجربة، ويشكّل البوصلة التي تقود السلوك في لحظات الصراع أو التحول


  1. يوسف عليه السلام: من الرؤية إلى القيادة

تُعد قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم (سورة يوسف) مثالًا تطبيقيًا بديعًا لهذا النموذج.

المرحلة الأولى: الرؤية – ولادة المعنى

تبدأ القصة برؤية رمزية قال فيها:
“يا أبتِ إني رأيتُ أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين”
هذه الرؤية مثّلت نواة “المعنى الداخلي”، وبنية رمزية كامنة قادته عبر سائر المحن. لم تكن مجرد حلم، بل تأسيسًا لهوية مستقبلية.

المرحلة الثانية: البئر – صدمة البنية

عندما أُلقي في البئر من قبل إخوته، تزعزعت البنية الأسرية. لكن الهيكل الأخلاقي الداخلي لدى يوسف ظل محافظًا على اتزانه، وبدأت العمليات النفسية في التكيف والتماسك.

المرحلة الثالثة: بيت العزيز – مواجهة الرغبة

تُختبر البنية الأخلاقية عندما يُراود من قبل امرأة العزيز. يظهر هنا أن الضمير والمعنى الرسالي تفوقا على الرغبة، من خلال عملية ضبط نفسي متينة.

المرحلة الرابعة: السجن – بناء الدور الرمزي

في السجن، يتحول يوسف إلى مصدر تأويل ومعنى للآخرين. يصنع علاقات قائمة على الثقة، ويعيد إنتاج رمزيته كنبي وقائد مستقبلي.

المرحلة الخامسة: الحكم – القيادة بالمعنى

حين يتولى إدارة الأزمة الاقتصادية، لا يقود يوسف فقط بصفته موظفًا أو حاكمًا، بل كصاحب “رؤية” متجذرة منذ الطفولة. لقد أصبحت المعاني التي نشأت في الرؤية الأولى هي التي تقود الدولة الآن.

هذه القصة توضح أن المسار الأخلاقي والمعنوي لا ينفصل عن المسار الإداري والقيادي، بل يشكّل بنيته العميقة (القرآن الكريم، سورة يوسف؛ Glukhova & Prozorov, 2020).


  1. ماركوس أوريليوس: إعادة بناء السلطة بالمعنى

في السياق الغربي، يُمثّل الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس (Marcus Aurelius) مثالًا على القيادة المتجذرة في الفلسفة والمعنى. في كتابه الشهير “التأملات” (Meditations)، يظهر ماركوس كقائد يؤمن بأن السلطة دون أخلاق هي ضعف، وأن الانضباط الذاتي هو جوهر القيادة.

حين واجه تمردات داخل الدولة الرومانية، لم يلجأ إلى البطش فقط، بل بدأ بإعادة بناء الهياكل الأخلاقية للمؤسسة الحاكمة. فعزّز قيم الشرف والعدالة، وغيّر خطاب الدولة من الهيمنة إلى المسؤولية (Aurelius, trans. 2006).

يمثل ماركوس مثالًا لقائد فعّل بنيته الأخلاقية الداخلية (Structure)، وأدار العمليات السياسية بوعي (Process)، واستند في أفعاله إلى معنى فلسفي رسالي (Meaning)، مما ينسجم تمامًا مع النموذج الذي طرحته جامعة ساراتوف (Prozorov et al., 2019).


خاتمة

يعيد نموذج الهياكل والعمليات تعريف علم النفس كمجال لفهم الإنسان ككائن يسعى إلى المعنى ضمن سياقات ثقافية وأخلاقية. وهو بذلك يتجاوز التفسيرات التقليدية، ويقدم منظورًا تفسيريًا عميقًا يمكن استخدامه في العلاج، التعليم، الإدارة، وحتى في تحليل الأنظمة السياسية والاجتماعية.

في المقالات القادمة، سنتناول تطبيقات هذا النموذج في فهم القيادة الأخلاقية، التغيير الثقافي، والصراعات النفسية في المجتمع العربي.


المراجع (References)

Aurelius, M. (2006). Meditations (M. Hammond, Trans.). Penguin Classics.

Glukhova, O., & Prozorov, V. (2020). Ethical matrices and organizational psychology: Systemic approach. Saratov State University.

Prozorov, V. A. (2018). Psychology of Order and Meaning: Culture as Ethical System. Saratov: SSU Publishing.

Prozorov, V. A., Glukhova, O. V., & Smirnova, A. Y. (2019). Cultural codes and ethical systems in organizational behavior. Journal of Systemic Psychology, 5(2), 32–47.

القرآن الكريم، سورة يوسف.

آخر المشاركات