مفهوم التنوع العصبي وتطبيقاته في فهم اضطرابات التوحد

التنوع العصبي
249 المشاهدات

التنوع العصبي هو مصطلح جديد نسبياً، ويشير إلى تنوع العقول البشرية، والاختلاف اللامحدود في وظائف الإدراك العصبي داخل جنسنا البشري. والتنوع العصبي عبارة عن اعتراف جديد أشاعته عالمة الاجتماع الأسترالية جودي سينجر والصحفي الأمريكي هارفي بلوم أواخر التسعينيات، للإشارة إلى الاختلاف في الدماغ البشري فيما يتعلق بالتواصل الاجتماعي والتعلم والانتباه والمزاج والوظائف العقلية الأخرى بطريقة غير مَرَضية، وقد ظهر المصطلح كتحدٍ للآراء السائدة المتمثلة في أن بعض الاضطرابات النمائية العصبية مرضية بطبيعتها وتعتمد بدلاً من ذلك على النموذج الاجتماعي للإعاقة، إذ تُعد الحواجز المجتمعية العامل الرئيسي الذي يساهم بتعطيل الأشخاص. (1)

لماذا يعتبر مفهوم التنوع العصبي مثيراً للجدل في تفسيره للتوحد؟

هناك نوعان من الاتجاهات الرئيسية لتفسير التوحد، حيث ينظر أصحاب الاتجاه الأول الى التوحد من خلال نموذج علم الأمراض، الذي يتماشى مع النموذج الطبي للإعاقة، ويرون التوحد على أنه اضطراب يجب علاجه أو الشفاء منه. يجادل أولئك الذين يفضلون نموذج علم الأمراض بأن السلوكيات غير النمطية للأفراد المصابين بالتوحد يجب تقليلها أو القضاء عليها من خلال علاجات تعديل السلوك، وتركز جهودهم في المقام الأول على البحث الطبي لتحديد عوامل الخطر الجينية والبيئية في التوحد. أما الاتجاه الثاني فانه يمثل أولئك الذين يفضلون نموذج التنوع العصبي الذي يتماشى مع النموذج الاجتماعي للإعاقة، حيث ينظرون إلى التوحد كتنوع يحدث بشكل طبيعي في الدماغ، وتركز جهودهم في المقام الأول على قبول الأشخاص المصابين بالتوحد ودعمهم بوصفهم “أقليات عصبية” في المجتمع. (2)

يرى نيك ووكر أستاذ علم النفس في معهد كاليفورنيا للدراسات المتكاملة أن أسوأ الانتهاكات وأكثرها انتشاراً هي تلك التي تُرتكب تحت ستار “العلاجات السلوكية” والتي لا تزال شائعة لدى الآباء والأمهات والمتخصصين، على الرغم من تحذيرات الناجين البالغين المصابين بالتوحد. حيث تهدف “العلاجات السلوكية” إلى التركيز على الهدف المستحيل المتمثل في تحويل الأشخاص المصابين بالتوحد إلى أشخاص غير مصابين بالتوحد، وهو الهدف الذي يفرضه نموذج علم الأمراض ضمنياً، على حساب أي تركيز كبير على القبول المجتمعي لمرض التوحد، أو استيعاب احتياجات الأطفال المصابين في التوحد، أو إزالة الحواجز المجتمعية التي تحول دون الوصول والاندماج، أو دعم الأشخاص المصابين بالتوحد، وبرأيه ليس من الممكن في الواقع تحويل شخص مصاب بالتوحد إلى شخص غير مصاب بالتوحد (3).

حركة التنوع العصبي في مجتمع التوحد:

بدأت حركة التنوع العصبي من قبل مجتمع التوحد للإشارة إلى تنوع الخصائص البشرية المتأثرة عصبياً والقصد ليس سوى استبدال مفردات بأخرى، واستخدام مصطلحات بدون وصمة عار مثل المرض أو علم الأمراض أو القصور العقلي. في البداية، اكتسبت هذه الفكرة الكثير من الدعم داخل القطاع العلمي والاجتماعي، ولكن هناك منتقدين ينتقدون بشكل متزايد اتجاه التنوع العصبي (4). تتحدى حركة التنوع العصبي فكرة النموذج الطبي القائلة بأن الاختلال العصبي مثل في اضطراب التوحد أو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يتطلب علاجاً بطبيعته، بدلاً من ذلك فإنهم يدعمون فكرة أن الاختلافات العصبية بين الناس يجب الاعتراف بها واحترامها، ويدعو المجتمع لمزيد من التكيف لتلبية الاحتياجات المرتبطة بالتباعد العصبي.

في دراسة أجريت عام 2009 على 27 طالب (يعانون من التوحد وعسر القراءة واضطراب وفرط الحركة والنشاط الزائد) قسمت المشاركين إلى فئتين بحسب رؤيتهم لذواتهم: أولئك الذين ينظرون للحالة على أنها اختلاف، إذ ينظر للتنوع العصبي على أنه اختلاف ينطوي على مجموعة من نقاط القوة والضعف، أو الذين ينظرون للحالة من زاوية طبية على أنها نوع من العجز إذ ينظر للتنوع العصبي كحالة طبية ضارة.  وجدت الدراسة أنه على الرغم من أن جميع الطلاب قد أشاروا إلى ظروف مدرسية صعبة تنطوي على الإقصاء والإيذاء والتنمّر، فقد أشار أولئك الذين رأوا أنفسهم من وجهة نظر مختلفة (41% من مجموعة المشاركين بالدراسة) إلى ارتفاع ثقتهم بأنفسهم وثقتهم بقدراتهم الأكاديمية.

كما أعرب الكثير منهم (73%) عن طموحات مهنية كبيرة ذات أهداف إيجابية وواضحة، وذكر العديد من هؤلاء الطلاب أنهم اكتسبوا هذه النظرة لأنفسهم من خلال الاتصال مع المدافعين عن التنوع العصبي في مجموعات الدعم على الإنترنت (5). الشيء الملفت في نموذج التنوع العصبي هو أنه يركز على أن التنوع الجيني أو الأنواع الأخرى من التنوع البيولوجي جزء لا يتجزأ من هوية الناس، وإحساسهم بالذات والشخصية، والتي يجب أن تحظى باحترام متساوٍ جنباً إلى جنب مع أي شكل آخر من أشكال التنوع مثل الجنس.(6)

المراجع:                  

  1. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%86%D9%88%D8%B9_%D8%B9%D8%B5%D8%A8%D9%8A
  2. https://stringfixer.com/ar/Controversies_in_autism#Neurodiversity_paradigm
  3. https://neuroqueer.com/autism-and-the-pathology-paradigm/
  4. https://ar.warbletoncouncil.org/neurodiversidad-431
  5. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%86%D9%88%D8%B9_%D8%B9%D8%B5%D8%A8%D9%8A
  6. https://blogs.scientificamerican.com/observations/the-concept-of-neurodiversity-is-dividing-the-autism-community/

0 Reviews

Write a Review

آخر المشاركات